الحقيقة والمجاز ج1

-تمهيد:

لا يحق لي بدء الكلام ولما أبسط يد الشكر والامتنان بين يدي من كان لديه مبلغ قصدي ومنتهى رجائي؛ إذ سألت فأجاب وكانت طلبتي، أستاذي الجليل عبد الرزاق جعنيد.

وما حملني على البحث في "الحقيقة والمجاز" إلا هوى في نفسي أبديته لبلاغة العرب مذ لاح لي سحر بيانها وعقلته في كتابها وديوانها وسائر الكلم فيها. وقد زادنيه صبابة فيض ما شاع في أيامنا هذه من الدرس والكشف عن خبيء اللغة وغورها، في سهل الأرض ووعرها، بعد أن تعذرت معرفة اللإنسان دونها؛ حيث أجمع القوم أن "الأسلوب هو الرجل"، فراحوا حينها لهافاً ردفها عساهم يجدون ذواتهم في منتهاها. وما أعظم أن يلقى المرء ضالته وما أقدره!

وكأي من مسائل البلاغة العربية منذ نشأتها الأولى كانت مبعث كثير من المناظرات، ومثار عديد من اللجج والخصومات، زخم من الأسفار والمجلدات لا سبيل له إلى تسويدها على بياضه واحتوائها بين دفتيه. وهذا شأن مسألة "الحقيقة والمجاز"؛ فقد قيل فيها ما قيل، وتضاربت حولها الرؤى والأفكار ردحاً من الدهر ليس بالقصير، وقد انتصر من انتصر، وغلب على أمره من غلب، وبلغ ما بلغ، وضاع ما ضاع.

وإذا كنت قد أزمعت البحث في هذا الموضوع، فلأني أعلم يقين العلم أن له من الأهمية والقدر ما لغيره من المواضيع البلاغية التي نعرف ولا نعرف على مدى الأحقاب والأزمان.وما أكثر ما نجهل بغياً منها. وأعلم كذاك أنه لا حيلة لي في أن أختصر وأوجز القول فيها قدر قدرتي وجهد طاقتي، وإلا كنت كمن يبغي شرب البحر، وهذا محال، وأي محال!

هذا يشفع لي اختياري المنهج الوصفي منهجاً لمثل هذا البحث الأولي الذي يتغيى كالطفل الذي يحبو على أربع قبل أن ينتصب على اثنتين ويرمي بطرفه نحو الآفاق أن يضع يده على الخطوط العريضة لهذه المسألة في تراثنا النقدي قبل أن يمضي في تتبع مواطن أجزائها العميقة على هدى المناهج المتطورة المستحدثة.

وأول الأشياء التي وقفت عائقاً في وجه هذا البحث هذا الكم الهائل من المصنفات القديمة التي كانت لها من قريب أو من بعيد صلة بهذا الموضوع، حتى لقد احترت في أيها أعتمد مستجيبة لغرضي. كما أن عنائي في البحث دون جدوى عن كتاب (المحتسب في علم شواذ القراءات) لابن جني قد كان له أثر على تقدم الدراسة، وإن كان كتابه الثاني (الخصائص) يفي بالغرض.

وبدءاً من هذا وختاماً فيه، فقد قسمت البحث إلى مدخل عام وفصل وخاتمة، رغبة مني في أن أتناول في المدخل جانبين: جانباً يرتبط بتحديد لفظتي "الحقيقة" و"المجاز"، في لغة العرب وفي اصطلاحهم، لدى لغوييهم وبلغائهم الأفذاذ.وجانباً يتعلق بتحديد الحقبة الزمنية والظروف التاريخية التي كانت وراء تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، مع الإتيان بتباين الآراء في هذا المضمار. أما الفصل فقد جاء على شاكلة مناظرة يكاد يسمع منها لجاج متناظرين وحكم فيصل بينهما قد جمعهم مجلس حول سؤال الحقيقة والمجاز. كل ينتصر لشيعته ويحاول إفحام خصمه والنيل منه. ولقد تقاسمته ثلاثة أبواب: باب أول فيمن يقول بمجازية اللغة العربية، ممثلاً في شخص ابن جني؛ وباب ثان فيمن يكذب قوله ويذر الرماد في عينيه بقوله: إن لغة العرب حقيقة وحسب، ممثلاً في شخص ابن قيم الجوزية؛ وباب ثالث خصصته لرأي السيوطي الذي هدأ من شجار هذه المناظرة حين قال قولاً فيصلاً: إنما اللغة حقيقة ومجاز. معتبراً في ذلك حجج وتبريرات كل واحد على حدة. أما في الخاتمة، فقد حاولت إبراز قيمة دراسة هؤلاء العلماء للمسألة قيد الدرس.

ويبدو أنني قد تلمست العون في بحثي هذا بمجموعة من المصادر القديمة وقليل من المراجع الحديثة؛ حتى أعود إلى حيث بداية التقسيم، وأعود نفسي على محك النقد القديم، سائحاً في عالم لا تحده الحدود، ويطيب في فسحته الشرود، والله ولي التوفيق.

 



Article ajouté le 2008-03-26 , consulté 69 fois

Commentaires



Poster un commentaire





http://





Merci de recopier le nombre présent à gauche dans la case de texte ci-dessous ( Pourquoi ? )





Liens

Voir les articles de la catégorie " مقالات "

Retour aux articles



Recommander ce blog | Contacter l'auteur | Reporter un abus | S'abonner au blog Flux RSS du blog | Espace de gestion

Créer un blog gratuit avec Blog4ever