الحقيقة والمجاز ج2
-مدخل: في المعجم والبلاغة
من الحلم ولوج البيوت من أبوابها، وللكلمة بابها، وبابها تعريفها. لا ريب، فمعاجم العربية وقواميسها تكاد تحد لفظتي "الحقيقة" و"المجاز" حداًّ سواء. وكيلا يأخذنا ركب الكلام كل مأخذ فينوء به ضيق المقام، إذا ما نحن قصدنا قصداً فتصفحناها جميعاً، حسبنا (لسان العرب) ننظر فيه كفاية عن غيره من المصنفات اللغوية؛ نظراً لما له من عظيم القيمة، وما لصاحبه من جليل اليد ورفيع القدر.
يقول ابن منظور (ت 630 هـ) في باب "الجيم" تحت لفظة "جوز": "جزت الطريق وجاز الموضع جوزاً وجؤوزاً وجوازاً ومجازاً وجاز به وجاوزه جِوازاً وأجازه وأجاز غيره وجاوزه: سار فيه، وسلكه، وأجازه: خلفه وقطعه، وأجازه: أنفذه؛ قال الراجز:
خلوا الطريق عن أبي سياره***حتى يجيز سالماً حماره
وقال أوس بن مغراء:
و لايريمون للتعريف موضعهم***حتى يقولوا: أجيزوا آل صفوانا
يمدحهم بأنهم يجيزون الحاج، يعني أنفذوهم. والمجاز والمجازة: الموضع. الأصمعي: جزتُ الموضع سرتُ فيه، وأجزته خلفته وقطعته، وأجزته أنفذته؛ قال امرؤ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي، وانتحى***بنا بطن جنت ذي قفاف عقنقل
ويروى: ذي حقاف. وجاوزت الموضع جوازاً، بمعنى جزته. وفي حديث السراط: فأكون أنا وأمتي أول من يجيز عليه؛ قال: يجيز لغة في يجوز جاز وأجاز بمعنىً؛ ومنه حديث المسعى: لا تجيزوا البطحاء إلا شداًّ."(1)
ويقول في باب "الحاء" تحت لفظة "حق": "وحق الأمر يحِق ويحُق حقاًّ وحقوقاً: صار حقاًّ وثبت (...) وقيل الحقيقة: الراية، قال عامر بن طفيل:
لقد علمت عليا هوازن أنني***أنا الفارس الحامي حقيقة جعفر.
وقيل: الحقيقة الحُرمة، والحقيقة الفِناء."(2)
فـ "الحقيقة"، إذن – بإجماع أرباب اللغة – هي الثبات والسكون على حال واحدة، في حين، تدل كلمة "المجاز" – على خلاف منها – على الحركة والتنقل من حال إلى حال ثانية. لذا، صارت "الحقيقة" جوهراً معافىً لثباتها، و"المجاز" غدا عرضاً مبتلىً لتغيره. غير أنه كان – مذ علمه العربي في كلامه وطاب على على لحمة لسانه فتحدث ملياًّ به – أبلغ وأوقع على سمعه وروعه. ولعل الشعر – ومن قبله آي الذكر الحكيم – أفصح شاهد وأصدقه على هذه المزية وهذا الفضل. ولا عجب، فهذا أمر بديهي في أمة أعجزت ببيانها الأمم، ونالت بنجيبه قصب السبق غداة الرهان.
هذا من جهة المراد اللغوي، أما من جهة الاصطلاح البلاغي، فلنا في عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) قول فيهما بما عقده في ذرته العصماء (أسرار البلاغة) من كلام قسم فيه "الحقيقة" و"المجاز" تقسيماً عجيباً يشد مجامع الألباب – شأن سائر تقسيماته البيانية الأخرى – يلمس القرأةُ له، ولأول وهلة، أنه – بحق – شيخ البلاغة ولا فخر، بل حقيق به الفخر أن كان شيخها الذي يغض في حضرته، وحقناه أن كان رجل مثله بيننا.
ففي تعريفه للحقيقة يقول: "كل كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع – وإن شئت قلت: في مواضعة – وقوعاً لا يستند فيه إلى غيره فهي حقيقة."(3)
وفي تعريفه للمجاز يقول: "وأما المجاز فكل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول فهي مجاز. وإن شئت قلت: كل كلمة جزت بها ما وقعت له في وضع الواضع إلى ما لم توضع له من غير أن تستأنف فيها وضعاً لملاحظة بين ما تجوز بها إليه وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها فهي مجاز. ومعنى الملاحظة هو أنها تستند في الجملة إلى غير هذا الذي تريده بها الآن، إلا أن هذا الاستناد يقوى ويضعف."(4)، وفق حدة أو لين الشبه بين المعنى الأول والمعنى الثاني، وهو ما يسمه الجرجاني باسم "معنى المعنى"، أو "المعاني الثواني"، ووفق تعالي الأخيلة وفرعها السماء أو تهاويها وسقوطها إلى درك الحضيض.
هذا برض من عد (5) أغنانا عن تسويد جميع الاصطلاحات بخصوص لفظة "الحقيقة" ولفظة "المجاز"، وكفانا أذى الضلال في متاهات التضارب في النظر والتعريف تبعاً لتباين المناهل المعرفية فيما بين المدرسة الأدبية أو طريقة العرب البلغاء ورأس حربتهم عبد القاهر الجرجاني، وبين المدرسة الكلامية أو طريقة العجم وأهل الفلسفة وعلى عتبتها يقف أبو يعقوب السكاكي (ت 626 هـ) الذي استهوته التحديدات المنطقية التي لا طائل مجد تحتها؛ رغم تعددها للفظ الواحد، ظلت واحدة ولم يبن البعض منها عن البعض جملة وتفصيلاً، فراح يقتفي مواطئها يحمله الذهول حملاً ويجوب به الأمصار. وهذا ما جنى على البلاغة العربية فيما تلا القرن الخامس للهجرة، وغمَّس ناصيتها الغراء في ويل من السفسطة والتحليلات الفلسفية، فكان أن هوى صرحها العتيد ولم تقم له بعد ذلك قائمة؛ مما نأى بها قروناً عدةً عن زمن الذوق والطبع. وهذا ما نعاه عليه من جاء تلوه شارحاً وملخصاً لمتونه؛ وليس غير الخطيب القزويني ( ت 739 هـ) من نقصد به في المقام الأول.
بيد أن تحديداتهم كافة تبقى تحديداً واحداً في جوهرها، وما تلك الخلافات إلا أعراضاً علقت به ما تفتأ تذهب ذهاب الزبد.
وإذا كانت "الحقيقة" تعني في اللغة الثبات في المكان، فإنها تعني في البلاغة الثبات في حوزة اللفظ لا حِول عنه لها. وإذا كان "المجاز" يدل في اللغة على التنقل من مكان إلى مكان، فإنه يدل في البلاغة على السفر باللفظ من معنىً إلى معنىً.

Commentaires