الحقيقة والمجاز ج3
-زمن التقسيم:
ليس من شيمة النقد والبلاغة – وليس عيباً – القول الواحد في المسألة الواحدة. فلت تلغ الكتب النقدية والبلاغية حول تعيين زمن تشطير الكلام إلى طودين عظيمين: طود الحقيقة، وطود المجاز، بكلمة جامعة؛ فمن قائل بحدوثه في القرن الرابع للهجرة، ومن قائل بشيوعه إبان القرن الذي قبله.
فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ) يلح أشد ما يكون الإلحاح في نفيه أن يكون السلف من الصحابة وحماة الدين وجهابذة القيل كأبي حنيفة (ت 150 هـ)، وأبي عمرو بن العلاء المازني (ت 154 هـ)، وسفيان الثوري ( ت 161 هـ)، والخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170 هـ)، ومالك بن أنس ( ت 179 هـ)، ثم سيبويه ( ت 180 هـ)، على علم بشيء من ذلك، كثر هذا الشيء أم نذر، قبل خلو أربعة قرون من التاريخ الحنيف، وإن أومأ بعد إلى هلول تباشيره في غرة القرون الثلاثة الأولى؛ فلنصغ إليه وهو يقول: "إن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز إنما اشتهر في المائة الرابعة، وظهرت أوائله في المائة الثالثة، وما علمته موجوداً في المائة الثانية، اللهم أن يكون موجوداً في أواخرها."(6)
وقد رد زعمه هذا على أعقابه شرذمة من الباحثين(7) اليوم بعدما استقصوا الدرس وانتهى بهم إلى أن هذا التقسيم إنما هو من رحم ومربى نهضة القرن الثالث الهجري قبيل أن يصير إلى ما صار إليه فيما تلا من الحؤول والأعوام.
بيد أن ابن تيمية ومن ذكرنا من النقدة والبلاغيين المعاصرين ذكروا جميعاً أن دولة المعتزلة أول من قسم هذه القسمة واحتضنها. ومن دون المعتزلة من له الحول والقدرة على هذا المنحى وهذه الكفالة؟ وهم الذين نوه بذكرهم غير ما مرة بحر بن عثمان الجاحظ ( ت 255 هـ)، وخلد في العالمين خبرهم، فقال في حقهم: "إنه لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام من جميع الأمم، ولولا مكان المعتزلة، لهلكت العوام من جميع النحل."(8)؛ حيث هبوا يتقلدون المنطق والجدل للذود عن حرمة الإسلام من هجمات البدع والضلال في غمرة حشد عرمرم من الفرق الإسلامية وغير الإسلامية: جبرية ومرجئة وخوارج وشيعة ويهود ونصارى... وقد كان لزاماً عليهم وبوعي منهم، قبل أن يغشوا سجال المجالس وجدال المناظرات، أن يكونوا أصحاب خطابة وبيان، منذ واصل بن عطاء (ت 235 هـ)، وإبراهيم النظام (ت 221 هـ)، دون أن نغفل ذكر الجاحظ، ومتى كنا جاهلين حتى نفعل ذلك؟ وبلغوا في ذلك مبلغاً خولهم أن يتسنموا علياء البيان العربي، إعترف لهم بذلك كل من حل عندهم ومر بهم من العلماء شتى منهم شوقي ضيف(9)، وأحمد أبو زيد(10)، وأحمد أمين الذي يقر به في كتابه (ضحى الإسلام) قائلاً: "فللمعتزلة الفضل الأول في وضع الأسس الأولى لعلم الكلام وعلم البلاغة، وعلم الجدل والمناظرة..."(11)
لهذا تراهم قد طفقوا – وما تحرجوا وما أصابهم الوهن يوماً – يسبرون أغوار المسكوت عنه رغم مناوءة أهل السنة لهم، ماضين في القرآن تأويلاً، وفي صفات الله تنزيهاً عن شوائب التشبيه والتجسيم، فكان أن عنَّ لهم مبحث المجاز بغية أن يخرجوا ما تشابه من الآيات مخرج الباطن لا مخرج الظاهر حالما أثبت العقل لديهم "(...) معارضة إدراك الألوهية على أساس التشبيه الحسي."(12) فعلموا وأعلموا الأنام أن يد الله ليست باليد، بل هي الأعطية والسخاء، واستواءه ليس على ما عهد من الهيئة، بل هو القهر والجبروت، وهكذا دواليك في غيرها من الأوصاف السلبية التي عدوها في سبع: العلم، والحياة، والقدرة، والإدارة، والسمع، والبصر، والكلام. فهي وذات الله سواء.
وما كانوا لينفذوا في هذه الأقطار لإفحام الخصوم والأعداء وإشراقهم بالماء لولا سلطان المجاز الذي نصبوه حينئذ "(...) ركيزة من ركائز الإعتزال الهامة، فهو عمدتهم في تثبيت مذهبهم والدفاع عنه، وهو تكأتهم في التوفيق بين آرائهم وأصولهم، وبين نصوص القرآن والحديث.
"كان حرصهم على تثبيت عقيدتهم في التوحيد والتنزيه الإلهي، من جملة الدوافع التي دفعتهم إلى البحث في المجاز اللغوي وتعميقه. كما كان لتصديهم لحملات الشعوبيين والزنادقة على القرآن، بالطعن في ألفاظه ومعانيه، أثر كبير في توجيه عنايتهم لبحث مجازات القرآن."(13). يعملون في ذلك، من جهة، الاحتجاج النظري، ومن جهة، الدراسة العلمية والتحليل الدقيق، وعلى هذه أقام جار الله الزمخشري (ت 538 هـ) تفسيره المسمى (الكشاف).
حتى وإن كان أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 210 هـ) أول من خرج على الناس بلفظ المجاز لما صنف كتابه (مجاز القرآن) عام ثمان وثمانين ومائة للهجرة، بإيعاز من سؤال إبراهيم بن إسماعيل الكاتب إياه في حضرة الفضل بن الربيع عن قوله تعالى: (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين) (14)، فأجابه بأن هذا الوجه من العبارة القرآنية موجود في كلام العرب تنطق به؛ يقول امرؤ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي***ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وعلى مثل هذا، جاء كتابه؛ يسرد الآية من القرآن، ثم يعززها بقول على شاكلتها من شعر أو مثل... ولكن أبا عبيدة لم يكن يقصد به سوى ضروب التعبير التي يأتي القول عليها، لا ما تعورف فيما بعد في أبواب البيان حيال التشبيه والكناية من مجاز عقلي ومجاز لغوي بطرفيه: الاستعارة والمجاز المرسل.
علاوة على كون المجاز وسيلة من وسائل الاستدلال المنطقي لردع متربصي الزعامات الذين يظنون بأنفسهم القدرة على النيل من القداسة القرآنية، وهيهات ذلك، فلقد ألفى شعراء التجديد في جهر المعتزلة بالمجاز مفزعاً إليه يفزعون وبه يتنصلون من قيود "أزمة المعاني" التي طالت الشعر العربي خلال القرن الثاني للهجرة، ومن ثم، عهدوا على أنفسهم أن يعيشوا في كنف المذهب الاعتزالي، حتى إذا أنسوا به، أرخوا العنان لخيول الخيال تركض بجموح وتسابق الريح.(15) كما أن للمجاز فوائد لغوية فنية "وهذي الفوائد قد قررها العرب فذكروا أن استعمال اللفظ المجازي دون الحقيقة قد تكون لاختصاصه بالخفة على اللسان أو لمساعدة في وزن الكلام نظماً ونثراً، والمطابقة والمجانسة والسجع وقصد التعظيم والعدول عن الحقيقي للتحقير إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة في الكلام."(16)، وفوائد أخلاقية نفسية نستشفها من قول ابن الأثير: "وأعجب ما في العبارة المجازية أنها تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال حتى إنها ليسمح بها البخيل، ويشجع بها الجبان، ويحكم بها الطائش المتسرع، ويجد المخاطب بها عند سماعها نشوة كنشوة الخمر، حتى إذا قطع عنه ذلك الكلام أفاق وندم على ما كان منه من بذل مال أو ترك عقوبة أو إقدام على أمر مهول، وهذا هو فحوى السحر الحلال المستغني إلقاء العصا والحبال."(17)
لم يكن، إذن، ضرباً من الخطل والمجازفة القول بالمجاز قسيماً للحقيقة وإلا لما صار "(...) مفخر العرب في لغتهم، وبه وبأشباهه اتسعت."(18) ما دامت الألفاظ محدودة، والمعاني غير محدودة. والمجاز، زد على هذا وذاك، آية من آيات الإعجاز القرآني الذي بهر مدره القوم (19)، ودعاه أن يتمثل به فأعوزه التمثل، وأنى له ذلك؟
لقد اقتضت سنة الحياة أن يتجدد معينها حيناً بعد حين كيلا يركد فيتسنه ويفنى ما فيها. كما اقتضت، في كل جدة، أن تجد أمامها ما يحجز طفوحها.

Commentaires