الحقيقة والمجاز ج4

لذا، لم تسلم ذمة المعتزلة من القيل والقال ورضى الناس شيء لا ينال فقد سلقتهم ألسنة أهل السنة (20) طوال عيشهم وبعد ذهابهم، هؤلاء الذين ينكرون على كل من يحكم العقل ويتكلم بالرأي، فحاربوا المجاز أيما حرب لا لشيء إلا لأنه من حديث خصومهم: المعتزلة "بيد أن هناك من أنكر المجاز في اللغة منهم: الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني، والأستاذ أبو علي الفارسي أستاذ ابن جني وابن القاص. ومنهم من أنكر المجاز في القرآن بخاصة عد منهم ابن القاص الشافعي وابن خويز منداذ المالكي وداود الظاهري وابنه، وأبو مسلم الإصبهاني..."(21)

واحتق الفريقان ولجا في الشتم والسباب؛ هذا يطغِّي على اللغة المجاز، وذاك يضفي عليها صبغة الحقيقة، حتى قدم ثالث يصرخ فيهما صراخاً فيصلاً: إنما اللغة حقيقة ومجاز، فحط أوزار الشجار.

وقد مثلنا للفريق الأول بأثقبهم عقلاً: أبي الفتح عثمان بن جني (ت 392 هـ)، وللفريق الثاني بمن تصدى له ورد عليه قولاً قولاً: ابن قيم الجوزية (ت 751 هـ)، وللفريق الثالث بجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 هـ).

هذا إذا شئنا أن نرد نهم أنفسنا ونقنع بالقليل، أما إذا رغبنا في المزيد، فسوف لن نشبع ولن نحيد حتى نقتم ما على الخوان.

فلنستهلن كلامنا، إذن، بحديث ابن جني، ولنثنينه بحديث ابن قيم، ولنثلثنه بحديث السيوطي.

 

-الباب الأول: اللغة مجاز:

يميز ابن جني الحقيقة من المجاز في الكلام العربي، ويغلب قسطه على قسطها منه، وسنده في ذلك "الاستعمال" أو "الإنجاز". فإما أن يحصل الاستعمال وفق أصل المواضعة اللغوية(22)، فتكون الحقيقة تارة، وإما أن يتم الحياد عنه اتساعاً وتوكيداً وتشبيهاً فيكون المجاز وتكون شجاعة العربية تارة أخرى. مطايا ثلاث هي لا مندوحة عنها كاملة لمن يتشوف إلى "الكلام السامي" وينوي الإدلاج قاصداً أرضه. وهذا ما يبدو جهرة فيما فعله شاعر حين أنشد بيتاً له قائلاً:

شكوت إليها حبها المتغلغلا***فما زاد شكواي إلا تدلالا(23)

فطلب الاتساع في اللغة وللاتساع فضل على أدب المتأدبين بأن نعت "حبها" وهو حدث بـ "التغلغل" وهو نعت للجواهر ذوات الحركة، وطلب التشبيه بأن أحدث المشابهة بين ما البلاء طاريء عليه وبين ما لا يلحقه. ثم طلب التوكيد بأن سما بالعرض إلى مدرج الجواهر.

ولربما صح تقسيمنا تجوز الكلام في حديث ابن جني عنه إلى أقسام نعددها كما يلي:

أ-تجوز الأفعال

ب-تجوز الأسماء

ج-تجوز الحذف

د-توكيد المجاز

هـ-ما ليس من باب المجاز

أ-تجوز الأفعال:

لقد تحدث ابن جني أول ما تحدث عن الأفعال وأبان عن تجوز أكثرها؛ لأنها تفيد معنى الجنسية "والجنس يطبق جميع الماضي وجميع الآتي..."(24). وضرب لهذا مثلاً:

-قام زيد

-قعد عمرو

-جاء الصيف

-انهزم الشتاء

فالأفعال: "قام" و"قعد" و"جاء" و"انهزم" قد آلت إلى ملكوت المجاز محمولة على الموضوعات: "زيد" و"عمرو" و"الصيف" و"الشتاء"، فدلت حال حملها على معاني الجنسية:

-قام Z القيام

-قعد Z القعود

-جاء Z المجيء

-انهزم Z الانهزام

لذا، صار باطلاً أن يقول قائل على الحقيقة: كان من زيد جميع القيام، أو من عمرو جميع القعود، أو من الصيف جميع المجيء، أو رام الشتاء جميع الانهزام. وهي جميعها على سمت المجاز أبداً؛ إذ تم "(...) وضع الكل موضع البعض للاتساع والمبالغة وتشبيه القليل بالكثير"(25)

وقد استطرد ابن جني موضحاً جنسية الأفعال هذه ومن ثم تجوزها أن هذه الأفعال وغيرها كثير في مكنتها استغراق سائر معمولاتها الدالة عليها دلالة مطابقة. وهذا ما يسوي قولنا: "قمتُ قومة، وقومتين، ومائة قومة، وقياماً حسناً، وقياماً قبيحاً.". في حين، يشين قولنا: "قمتُ جلوساً، وذهبت مجيئاً".

وهذا الحكم لا يجري فحسب على أفعال الناس ويقصر عليها، وإنما يتعداه إلى أفعال الله ويصدق عليها؛ فهو سبحانه وتعالى لم يخلق السماوات والأرض على جهة الحقيقة، وإلا لكانت فواحش البشر من مشيئة شأنه، حاشاه ذلك، كيف الظن به وهو صاحب العدل الأعدل(26). وهو، زد على هذا، لا يساوى علمه بجميع الأحوال والأشياء ولا يتكافأ: فعلمه بقيام زيد ليس هو عينه علمه بقعود عمرو.

ولم يكن بدعاً من ابن جني القول بتجوز الأفعال، فلعل شيخه أبا علي الفارسي فيما حكاه عنه ثبتاً لصحة قوله وتأكيداً على شيوعه لدى غيره قد فاه بكلمة تعضد هذا الذي ذهب إليه تلميذه من أمر الأفعال؛ فهو يوازي بين قولنا "قام زيد"، وبين قولنا: "خرجت فإذا الأسد"؛ لاشتراكهما في معنى الجنسية اتساعاً وتوكيداً وتشبيهاً، "فأما الاتساع فإنك وضعت اللفظ المعتاد للجماعة على الواحد. وأما التوكيد فلأنك عظمت قدر ذلك الواحد، بأن جئت بلفظه على اللفظ المعتاد للجماعة. وأما التشبيه فلأنك شبهت الواحد بالجماعة، لأن كل واحد منها مثله في كونه أسداً."(27). وهذا ما ختم عليه بخاتم المجاز.

ب-تجوز الأسماء:

وقد يطال الفاعل طوراً، والمفعول طوراً آخر. وللتمثيل على هذا الضرب من التجوز، أورد ابن جني هذا النحو من الكلام:

-قطع الأميرُ اللصَّ

فالفاعل: "الأمير" متجوز من ناحية كون فعله: "قطع" بأمره لا بيده. والمفعول: "اللص" متجوز من ناحية كون القائل جاء بالكل "اللص" وأراد الجزء "اليد أو الرجل". وهل سمعت يوماً بقطع الكل؟

ومتى شئنا رفع المجاز عنهما أكدنا الفاعل بـ "عينه أو نفسه"، وأتينا في المفعول ببدل البعض: "يد أو رجل"، فنقول:

-قطع الأمير نفسه يد/أو رجل اللص.

فيحق حينئذ قولنا.

ج-تجوز الحذف:

نقصد به أساساً حذف المضاف الذي أربى بحساب ابن جني عن ثلاثمائة موضع في القرآن، ولم يستطع عده في الأشعار. ولقد اشترط فيه المعرفة به. فإنا في بيت القصيد: "عباس بن عبد المطلب"، من قول الشاعر متحدثاً عن إبل:

صبحن من كاظمة الخص الخرب***يحملن عباس بن عبد المطلب

قد نعمل فكرنا فيه دون جدوى فنفهم منه الأب لا ابنه عبد الله؛ مما يمج بالمعنى ويسلب الشاعر حقه الذي ما كان ليأخذ نفسه ويسلك هذا المسلك في الإيجاز والحذف لولا يقينه ببلاغة نظمه ووقوعه موقع استحسان من السمع والروع.



Article ajouté le 2008-03-26 , consulté 303 fois

Commentaires



Poster un commentaire





http://





Merci de recopier le nombre présent à gauche dans la case de texte ci-dessous ( Pourquoi ? )





Liens

Voir les articles de la catégorie " مقالات "

Retour aux articles



Recommander ce blog | Contacter l'auteur | Reporter un abus | S'abonner au blog Flux RSS du blog | Espace de gestion

Créer un blog gratuit avec Blog4ever