الحقيقة والمجاز ج5
د-توكيد المجاز:
ليس التوكيد في اللغة العربية وقفاً على الحقيقة، بل هو مشاع أيضاً في المجاز، بل هو "(…) أقوى دليل على شياع المجاز فيها واشتماله عليها."(28). وقد يكون بأسمائه مثل: "نفسه وعينه وأجمع وكله وكلهم وكليهما…"، كقول الفرزدق في هجائه جريراً:
عشية سال المربدام كلاهما***سحابة موت بالسيوف الصوارم
وقد يكون بالمصدر كما قال الشاعر:
إذا البيضة الصماء عضت صفيحة***بحربائها صاحت صياحاً وصلت.
وفي هذا النوع الثاني يدخل قوله تعالى: (وكلم الله موسى تكليماً)(29)
-الباب الثاني: اللغة حقيقة
يصعق ابن قيم لكلام ابن جني الآنف، وتنتفخ أوداج ظاهريته، فيرميه وشيخه أبا علي بالبدعة والضلال، ويسمى المجاز تسمية الطاغوت، ويبطل بالعقل والشرع واللغة قرانه بالحقيقة الذي أقام وأقعد له المعتزلة الدنيا؛ "فإن العقل لا مدخل له في دلالة اللفظ وتخصيصه بالمعنى المدلول عليه حقيقة كان أو مجازاً، فإن دلالة اللفظ على معناه – وليست كدلالة الانكسار على الكسر، والانفعال على الفعل – لو كانت عقلية لما اختلفت باختلاف الأمم ولما جهل أحد معنى لفظ؛ والشرع لم يرد بهذا التقسيم ولا دل عليه، ولا أشار إليه؛ وأهل اللغة لم يصرح أحد منهم بأن العرب قسمت لغاتها إلى حقيقة ومجاز، ولا قال أحد من العرب قط: هذا اللفظ حقيقة وهذا مجاز، ولا وجد في كلام من نقل لغتهم عنهم مشافهة ولا بواسطة ذلك."(32)
فغدت الأفعال بذلك والأسماء والتوكيد والحذف حقائق لا مجازات.
أ-تحقق الأفعال:
إنما الأفعال العربية تتحقق في كلام المتكلمين تحققاً مطلقاً يتنزه عن كل مراء قد يشوبها، ويتم تقييدها بقرائن شتى كاشفة عن دوالها المقصودة منها، فهي مجرد "إخبارات" عن أحوال الفاعلين لها، ولم تك قط جنساً شاملاً كل ما يدور في خلد السامعين من وهم المعاني وتنازع الدلالات.
وهي، زد على هذا وذاك، ليست على درجة سواء بينها إزاء المفاعيل المطلوبة بها، بل على درجات ثلاث:
1-ظاهرية، وهي الواقعة على ظاهر الذات مثل: قام، وتكلم، وأحدث، وأبصر، وكتب...
2-باطنية، وهي الواقعة على باطنها مثل: فرح، ورضي، وغضب، وأحب، وأبغض...
3-ظاهرية-باطنية، وهي الواقعة عليهما معاً مثل: خلق الله زيداً وأوجده وكونه وأحدثه...
يبرز هذا التحقق الفعلي في أفعاله سبحانه تعالى بروزاً جلياً لا يخالطه كدر؛ حيث يتساوى علمه بجميع الأحوال والمتعلقات في الوجود وفي العدم. لهذا، كان "الأسد" في قولنا "خرجت فإذا الأسد" حقيقة انتفت من جرائها دلالة العموم عنه، نظراً لكونه "(...) لا يصلح أن تخلف اللام فيه "كل"، نحو قوله تعالى: (إن الإنسان لفي خسر)، ونحو قوله: (إن الإنسان خلق هلوعاً). ولهذا، صح الاستثناء منه؛ وذلك حيث لا يكون عهد القرينة والسياق دالاً على إرادة جميع أفراد الجنس."(33)
ب-تحقق الأسماء:
وقد أماط ابن قيم عنه اللثام وأبرزه للعيان من خلال قولنا:
-ضربتُ زيداً
حيث أكد أنه لا يجوز لزاعم أن يزعم فيه المجاز إلا إذا حدث وسمع عن العرب أنها أرادت به حين وضعه وقوع هذا الفعل "ضرب" على كل ما ظهر وما بطن من ذات المفعول، ثم آثرت بعد ذلك واختارت أن تستعمله في وقوعه على بعض منها، ولكنه لم يعرف مثل هذا، ولا قال أحد به في اللغة العربية ولا في ما جاورها أو نأى عنها من لغات البلاد الأخرى.
ومن ثم، وجب إقرار حقيقة الأسماء ما دامت "(...) حقيقة هذا اللفظ الذي وضع واستعمل في كل لسان هي إمساس بعض المضروب بآلة الضرب؛ لا يعرف له حقيقة غير ذلك البتة."(34)
ج-تحقق التوكيد:
إذا كان ابن جني يجعل من ورود التوكيد في الخطاب العربي، وتخصيص النحاة له باباً مستقلاً لدرسه، أكبر دليل على مجازيته طالما آلت إليه سلطة رفع المجاز عنه، فإن ابن قيم يخالفه المنحى ويرى أنه أقوى إشارة على حقيقته؛ لأن المتكلم يأتي به عناية منه بكلامه وحرصاً على تمام وإفادة الرسالة بينه وبين مخاطبه.
د-تحقق الحذف:
لقد غالط ابن قيم ابن جني وأنكر عليه دعواه بتخلل مجاز ثنايا القرآن الكريم سماه مجاز الحذف؛ حذف المضاف، مما ألزم تقدير المحذوف لكمال المعنى وبيان المراد. إذ لا أثر له في قوله تعالى:
(وكم من قرية أهلكناها) (35)
(وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله) (36)
لا سيما وأن كلمة "قرية" تصدق على الساكن والمسكن معاً، فهي حقيقة فيهما كلاهما، وليست حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر؛ بسبب عدم صحة مخاطبة ما لا سمع له إلا على وجه التجوز.
ولهذا، كان دون جدوى تقدير وتعيين "أهل القرية" عوض "قرية" كما في الآيتين أعلاه. وما دعوى التقدير في كلام لف بمعصم الإيجاز جيد البلاغة والفصاحة؟ فـ "(...) التقدير إنما يتعين حيث لا يصح الكلام بدونه، فأما إذا استقام الكلام بدون التقدير من غير استكراه ولا إخلال بالفصاحة كان التقدير غير مفيد ولا يحتاج إليه..."(37)
فلماذا، إذن، القول بالمجاز وهو أخو الكذب، والكذب يحدث نفيه؟ ولماذا الحيف والإدعاء على لغة – كلغة العرب – المجاز وهي حقيقة كافية مكتفية بنفسها؟

Commentaires