الحقيقة والمجاز ج6
-الباب الثالث: اللغة حقيقة ومجاز:
بيد أن السيوطي لم يحكم لابن جني على ابن القيم، ولا قضى لهذا على ذاك، بل كان عدلاً في حكمه عادلاً أنصف العرب في لغتها. فالعربية لديه ما هي بالحقيقة ولا بالمجاز فحسب، بل هي الحقيقة والمجاز معاً، أتأمت بهما. في الواحد حياة للآخر.(38)
عمدته في ذلك ما حكاه عن بعض العلماء، ذكر منهم فخر الدين الرازي، وابن برهان، والإمام عز الدين بن عبد السلام، وما أثر عن العرب سماعاً؛ حيث سلس على لسانها وحلى نظمها زخم من المجازات كأن تقول: "استوى فلانٌ على متن الطريق، ولا متن لها، وفلان على جناح السفر، ولا جناح للسفر، وشابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق."(39)
وكذلك ما عارض به رأي أبي إسحق الإسفراييني – أحد منكري المجاز في لغة العرب كلية لكذبه وما هو بالكذب – بخصوص مسألة وضع الحقيقة والمجاز، أيهما أسبق في الوجود؟ أكانت الحقيقة ثم أعقبها المجاز؟ أم كان المجاز ثم أردفته الحقيقة؟ حيث ذهب أبو إسحق إلى أن "العرب نطقت بالحقيقة والمجاز على وجه واحد؛ فجعل هذا حقيقة وهذا مجازاً ضرب من التحكم. فإن اسم السبع وضع للأسد كما وضع للرجل الشجاع."(40). فرد عليه جلال الدين داحضاً عيَّه بقوله: "بل العرب ما وضعت الأسد اسماً لعين الرجل الشجاع، بل اسم العين في حق الرجل هو الإنسان، ولكن العرب سمت الإنسان أسداً لمشابهته الأسد في معنى الشجاعة؛ فإذا ثبت أن الأسامي في لغة العرب انقسمت انقساماً معقولاً إلى هذين النوعين؛ فسمينا أحدهما حقيقة، والآخر مجازاً، فإن أنكر المعنى فقد جحد الضرورة. وإن اعترف به ونازع في التسمية فلا مشاحة في الأسامي بعد الاعتراف بالمعاني. ولهذا، لا يفهم من مطلق اسم الحمار إلا البهيمة. وإنما ينصرف إلى الرجل بقرينة، ولو كان حقيقة فيهما لتناولهما تناولاً واحداً."(41)
وقد التزم السيوطي أن يكون لكل مجاز حقيقة، ولم يفعل ذلك بالحقيقة. إذ المجاز من الحقيقة كالفرع من الأصل. لكن الفرع بطبعه أبلغ من أصله لقدرة المجاز على عبارة تقبع عندها الحقيقة عاجزة. وإلا فلا بلاغة للمجاز إذا حلت الحقيقة وأغنت عن طلبه.
بعد كتابه (المزهر في علوم اللغة وأنواعها)، عاد السيوطي فدرس هذه القضية في كتابه الثاني (الإتقان في علوم القرآن)، وتعمد تكرارها في كتابه الثالث (معترك الأقران في إعجاز القرآن)؛ حيث عدها الوجه الثالث والعشرين من جملة أوجه الإعجاز القرآني. كما أشار إلى تلخيصه لتصنيف الإمام عز الدين بن عبد السلام، سماه (مجاز الفرسان إلى مجاز القرآن).(42)
هذا يدل على مدى اهتمامه بالمسألة، وأخذ الناس على الفراغ من اللجج فيها، والركون إلى جوهرها، وغض الطرف عن أعراضها. فهو عين الصواب، وغيره محال.
والعربية: عذراء الجزيرة، في غنىً عمن يصون عرضها، ويرد عن خدرها هجمة الهمج. لها شجاعتها، لا يعييها الذود عن حرمته. وإنها لتمسي وتصبح تصدح بصوت حالها: إنما الحقيقة والمجاز سواران من الزبرجد أتحلى بهما. فهذي الموضوعات الشرعية كالصلاة والزكاة والصوم والحج، حقائق في الشرع، مجازات في اللغة (43). وكفى بهذا سلاماً.

Commentaires