الحقيقة والمجاز ج7
-الخاتمة:
ما من قضية عرضت سبيل التراث العربي إلا وكانت حبلى الدين، سيان أن تكون نقداً أو نحواً أو فقهاً أو حكمة... فهناك – في النقد مثلاً – قضية اللفظ والمعنى، وهاك قضية الطبع والصنعة، وهاك قضية الإبداع والاتباع، ثم هاك قضية الحقيقة والمجاز؛ موضوع بحثنا.
لقد خص الله العرب من بين الأمم بوحي القرآن إعجازاً بيانياً أفحم ألسنتهم وغض من لسنها العتيد، ورد سيوف جاهليتهم إلى غمدانها بعدما نال الإخفاق الذريع من كيدهم وجعله في نحورهم، فلم يروا، حينئذ، بداً ولامناص لهم من الاستكانة والرجوع القهقرى مطأطئين رؤوسهم من كبر أجوف خنوعاً وإذلالاً لرب هذا الكلام الغريب الأطوار. فحسبهم، إذن، أن ينكبوا على آيه تذوقاً لشهد لا يغيض، وتجواباً في سرح لا يبيد.
في غمرة هذا المناخ المفعم بنفحات العقيدة السمحاء، نشأت قضية الحقيقة والمجاز، واشتد عودها وقد لجَّ الناس فيها، وباتوا شيعاً وأحزاباً، كل حزب بما لديهم فرحون؛ هذا يقر بأن للغة باطناً لا ظاهر لها، ولهذا سمي بـ "الباطنية"، وهو نعت كان يعرف به المعتزلة الذين كانوا يترصدون ما وراء الألفاظ ولا يقفون عند حدود ظاهرها، وذاك يقر بأن للغة ظاهراً لا باطن لها، وهو الذي كان يعرف في تاريخ الفكر الإسلامي بـ "الظاهرية" تارة، وبـ "الرافضة" تارة أخرى؛ لأنهم كانوا يتحرجون ويرغبون عن كل تأويل يريد الآيات القرآنية، ويرجئون ذلك إلى الله، فهو وحده من له قدرة تأويله بدليل قوله تعالى: (و لا يعلم تأويله إلا الله) (44)؛ وذلك يقر بأن للغة ظاهراً كما لها باطن، فهو فريق معتدل بين ذينك الفريقين؛ لم يغل كل الغلو كما فعل الأول، ولم يتعصب كل التعصب كما بدا الثاني، بل آثر الأمر الوسط فقال إن اللغة حقيقة ومجاز. وهذا ما يؤازره أحد النقاد اليوم وهو د.عبد القادر حسين في كتابه (المختصر في تاريخ البلاغة) قائلاً: "لا شك أن قضية الحقيقة والمجاز قد شغلت العلماء زمناً طويلاً ما بين منكر المجاز كليةً أو مصدق له تماماً، ولكننا في كل ذلك نشعر بمدى التكلف الذي تورط فيه من ينكره كليةً كابن تيمية، ومن يبالغ في وجوده ويغرق اللغة كلها في المجاز كابن جني. وأعدل الآراء في هذه القضية رأي ابن الأثير لتمشيه مع المنطق السليم، وعدم الجنوح نحو هذا الطريق أو ذاك. وقوله هو القول الفصل حين يقول: "إن كلا المذهبين فاسد عندي، وليست اللغة كلها مجازاً، ولا كلها حقيقة، وإنما فيها الحقيقة والمجاز"(45) ولم يكن ابن قيم الجوزية إلا لسان شيخه ابن تيمية، ولم يكن السيوطي إلا مهتدياً بنجم ابن الأثير.
غير أن هذه القضية لم تحظ بما ينبغي لها من التحليل والاستنباط، وذلك نتيجة سببين أساسيين:
1-فهي قد خضعت لويل النزاعات المذهبية الذاتية، فانتفت عنها سمة الموضوعية، مما قعد بها عن بلوغ درجة العلمية.
2-إن الذين طرقوها من علمائنا الأفذاذ لم يخصصوا لها كتاباً مستقلاً بعينه كما لو أنها كانت لديهم مجرد وسيلة لغاية لا غاية في ذاتها.
من هنا، سيكون لزاماً علينا توسل ما أحدث من مناهج علمية صارمة قصد السمو بها إلى حيث لا تلحقها يد الأهواء والشكوك. ولا محالة أن هناك من سلك هذا السبيل، لكن، رغم ذلك، يبقى السؤال مطروحاً: ما هي القيمة العلمية لهذه الدراسات؟
هوامــش:
1-لسان العرب، المجلد الأول، ص ص 531، 532
2-المصدر نفسه، ص ص 680، 682
3-أسرار البلاغة، ص 303
4-المصدر نفسه، ص 304
5-أنظر الخصائص، ج 2، ص 442/العمدة، ج 1، ص 266/مفتاح العلوم، ص ص 358، 359/الإيضاح في علوم البلاغة، ص ص 392، 394/المثل السائر، ج 1، ص ص 84، 85.
6-الإيمان، ص 88
7-شوقي ضيف في كتابه (البلاغة تطور وتاريخ)، ص 56/أحمد أبو زيد في كتابه (المنحى الاعتزالي في البيان وإعجاز القرآن)، ص 171/ولطفي عبد البديع في مقاله "دراما المجاز"، ص 99 من مجلة فصول، ع 2، 1986
8-الحيوان، ج 4، ص 206
9-البلاغة تطور وتاريخ، ص 35
10-المنحى الاعتزالي، ص 49
11-ج 3، ص 95
12-الصورة الأدبية، ص 74
13-المنحى الاعتزالي، ص 167
14-سورة الصافات، الآيات 63-65
15-المنحى الاعتزالي، ص 234
16-المجاز وأثره في الدرس اللغوي، ص 136
17-المثل السائر، ج 1، ص 89
18-الحيوان، ج 5، ص 426
19-المتكلم بلسان حالهم.
20-كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل، أما أبو حنيفة فكان من أهل الرأي.
21-المجاز وأثره في الدرس اللغوي، ص 130
22-ابن جني ممن يقول باصطلاحية اللغة.
23-ص 444. هذا واحد من الأمثلة التي ضربها ابن جني من القرآن والحديث والشعر وكلام العرب في خصائصه، ج 2
24-25-الخصائص، ج 2، ص 448
26-العدل ثاني أحكام الاعتزال الخمسة؛ وهي: العدل، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
27-المصدر نفسه، ص 449
28-المصدر نفسه، ص 451
29-سورة النساء، الآية 164
30-سورة يوسف، الآية 76
31-الخصائص، ج 2، ص 457
32-مختصر الصواعق المرسلة، ص ص 231، 232
33-المصدر نفسه، ص 283
34-المصدر نفسه، ص 287
35-سورة الأعراف، الآية 3
36-سورة الطلاق، الآية 8
37-مختصر الصواعق المرسلة، ص 290
38-نفس الرأي نجده من قبل السيوطي لدى ابن قتيبة (ت 276 هـ) ي كتابه (تأويل مشكل القرآن)، ص 132، ولدى ابن الأثير

Commentaires